التصحيف والتحريف في أسماء الأعلام proper names آفة نالت من هذه الأسماء على ألسنة العوام على مر الزمان وجرت إما اعتباطا وإما عن قصد ما تسبب في تشوه الأسماء وتغير هيئتها..
• التَّصحِيف anagram هو كتابة كلمة أو قراءتها على غير ما هي عليه ويرجع ذلك لاستشكال سماع أحد حروفها أو رسمه بحيث يشابه حرفًا آخر .. وقيل إن سر التصحيف هو تغيير لفظ الكلمة الناشئ عن تشابه الأحرف العربية الباء والتاء والثاء والياء والنون .. ومن الأمثلة الشهيرة على التصحيف ما ورد عن توما الحكيم وهو طبيب وقد وقع التصحيف في بعض كتبه فكان يقرأ: الحية السوداء شفاء مِن كلّ داء اذ تصحّفت كلمة (حبّة) إلى (حيّة) فمات بسبب ذلك كثيرون ..
• أما التحريف perversion, alteration, twist or distortion فمعناه العام هو التغيير اللفظي أو المعنوي بالزيادة أو النقصان أو تغيير هيئة الشكل..
والتصحيف والتحريف أحد مظاهر التطور الدلالي لمفردات اللغة وتعبيراتها أي تغير مدلول اللفظ والسياق ورسم المفردات على المدى الزمني .. وهي ظاهرة تحدث تدريجيا بسبب تداعي المعاني وعلاقات المجاورة أو حتى التضاد والمشابهة الزمانية والمكانية أو ثقل نطق بعض الحروف بحيث تنتقل الكلمة إلى معنى اصطلاحي متداول بعيد تمامًا عن معناها الأصلي .. ويسري ذلك على اللغة العربية الفصحى Classical (Standard) Arabic سواء التراثية أو الوسيطة والمعاصرة وأيضًا اللهجات العامية أو الدارجة Colloquial (Vernacular or slang) Dialect .. إذ قد تنقرض الكلمة ومدلولها تمامًا وتندثر مع التقدم والتطور..
وفيما يلي بعض النماذج لأسماء تغيرت نطقا وشكلا عبر العصور:
• أبو قتاتة:
منطقة في بولاق الدكرور .. وأصل الاسم .. (أبو قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري) وهو صحابي من الأنصار من بني سلمة من الخزرج وشهد مع سيدنا محمد (عليه الصلاة والسلام) الغزوات كلها بعد غزوة بدر ثم شارك في الفتح الإسلامي لفارس..
• أبو الدردار :
منطقة ومسجد بحي اللبان في الإسكندرية .. وأصل الاسم .. (أبو الدرداء الأنصاري) وهو صحابي وفقيه وقاضٍ وقارئ قرآن وأحد رواة الحديث النبوي وهو من الأنصار من بني كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج..
• الأباصيرى :
وأصل الاسم .. (الإمام شرف الدين البوصيري) المولود بقرية بوصير في بني سويف بصعيد مصر والمدفون في الإسكندرية وهو صاحب بردة البوصيري في مدح سيد الخلق محمد عليه أفضل الصلاة والسلام أو قصيدة (الكواكب الدرية في مدح خير البرية)..
• دير النحاس:
منطقة بحي الملك الصالح بمصر العتيقة واشتهرت في فيلم (حياة أو موت) وأصلها (دار النحاس) وهي صناعة متوطنة للأواني والمشغولات النحاسية ولا وجود لدير بهذا الاسم هناك..
• شارع مرجوش :
وهي منطقة وشارع بباب الشعرية وأصل الاسم (أمير الجيوش بدر الجمالي) بفتح الجيم والميم المفتوحة المشددة الذي سمي حي الجمالية تخليدًا له وفي الشارع نفسه يوجد حمام مرجوش (الملاطيلي)..
• حي الخرنفش :
أصل كلمة الخرشتف – التي تنطق على نفس الوزن – بقايا وقود الحمامات التركية المتحجر الذي يضاف إليه الجير لبناء البيوت كبديل للأسمنت..
• جوهر الصقلي :
والأصل (جوهر الصقالبي) .. والصقالبة Esclaves هم سكان وسط أوروبا وجنوبها ممن أسلموا واستعان بهم الفاطميون للانخراط في صفوف الجيش لإنجاز الأعمال الرثة dirty work واشتق الإنجليز من اسمهم Esclaves كلمة slaves أي العبيد وأصل الصقالبة او السلافيين ينحدر من السلافيين الجنوبيين Yugoslav أو السلاف الشماليين Nordoslav..
• المرسي أبو العباس :
مسجد وضريح بالإسكندرية سمي على اسم سيدي أبو العباس المرسي نسبة إلى مدينة مرسية الأسبانية في بلاد الأندلس..
• المقوقس :
كانت العرب تطلق هذا الاسم على قيرس القوقازي عظيم الروم..
• قنطرة الذي كفر :
وهو شارع اسمه الأصلي (قنطرة الذي كفر) في درب الجماميز وأصله (قنطرة كفاريللي) Caffarelli du Falga وهو جنرال من قادة الحملة الفرنسية لكن رجل الشارع layman أبى إلا أن ينطقه بالعامية (قنطرة اللي كفر) استسهالا ثم جاء جهابذة لجان التسمية ليستقروا على الاسم المؤسف (قنطرة الذي كفر)..
• بين الصورين:
أصل الاسم (بين السورين) لأن المنطقة كانت في السابق مجموعة متراصة من المباني تتوسط شارع الخليج المصري أو بور سعيد حاليا وكان يحيط بتلك المباني سوران والدليل على وجود تلك الكتلة العمرانية المتصلة جغرافيا استمرار وجود مسجدين في نهر الطريق بشارع بور سعيد الأول هو جامع القاضي زين الدين بن يحيى عند تقاطع شارعي بور سعيد والأزهر بمنطقة الموسكي والثاني جامع الحيني عند تقاطع شارعي بور سعيد والقلعة على امتداد شارع محمد على بباب الخلق وقد أزيل ما بين السورين وبقى المسجدان عند مد خطوط الترام بالشارع في مطلع القرن العشرين..
• حي الوايلي :
الاسم المحرف للوائلي والوائلية نسبة إلى من سكنوه من قبيلة بني وائل من الجزيرة العربية بعد الفتح الإسلامي لمصر على يدي عمرو بن العاص..
• جمصة :
وأصله بالفرنسية j’aime ça أي (أنا أحب ذلك)..
• بولاق الدكرور :
أصلها الكلمة الفرنسية beau lac du Caire أي بحيرة القاهرة الجميلة .. في حين أن بعضهم يقول إن المنطقة سميت أصلا على لقب سيدي التكروري الذي يوجد ضريحه هناك بالفعل..
• باب الخلق :
أحد أبواب القاهرة الأيوبية .. وأصل الاسم (باب الخرق) إذ كانت تلك المنطقة أرضًا فضاء ما عرضها للرياح الشديدة لذلك سميت (باب الخرق) في إشارة إلى (الخرق) وهو المكان الذي يخترقه الهواء .. لكن الناس استهجنت الاسم فأمر الخديوي إسماعيل بتغييره إلى (باب الخلق) اذ كان يمر به الكثير من (الخلق).
وفي هذا فإن حجية الأسماء العربية تتفوق على التسميات الغربية؛ إذ تزخر المؤلفات الغربية في مختلف العلوم والفنون – من فلك إلى جغرافيا وغيرها – بتسميات عربية الأصل .. ومن واجبات المترجم إرجاعها إلى جذورها .. فلا يصح مثلا في السياق التاريخي – تحديدا – إيراد التسميات التي نحتتها الثقافة الغربية من الأصول العربية مثل (الطرف الأغر) التي أسموها Tarafalgar ترافلجار .. أو (جبل طارق) ويقولونها Gibraltar جيبرالتار .. أو (مدينة الحمراء) وينطقونها Hambra همبرا .. إلخ.. إلا إذا كان غرض المترجم – حسب الاقتضاء on merit – ذكر الاسم الغربي المتداول حاليا..
ويمثل الإلمام بالسياق التاريخي لأسماء الأعلام Proper Names رافدًا معرفيا cognitive tributary مهمًا في حقل الترجمة .. في حين أن غياب تلك الكليات (العموميات) universals يشين العمل الترجمي .. حتى لا نصادف مثلما حدث بالفعل تلك الترجمة: (تامرلين) بوصفها ترجمة للاسم الأعجمي Tamerlane الذي هو (تيمورلنك) !!!
ومن المعروف أن الأصل هو عدم ترجمة أسماء الأعلام لعدم الحاجة إلى ذلك في الأحوال العادية .. اللهم إلا في حال إشكالية تعريب Arabization الأسماء مثلما حدث في العهد الماضي حين رسموا الاسم (Elizabeth) على (الياصابات) لتقريب الاسم إلى الجرس العربي Arab timbre وضبط وقعه على الأذن العربية مع إزالة العجمة disposal of foreignness .. وفيما يلي نموذج لطائفة من الأسماء قليلة التداول ومقابلها بالإنجليزية علما بأن الأمثلة كثيرة تفوق الحصر ولا يمكن أن تحيط بها تلك العجالة المقتضبة:
● قابيل وهابيل Cain and Abel وتنطق كاين وآيبل
● النبي إدريس عليه السلام Enoch وتنطق إينوك
● نوح Noah وتنطق نواه
● إسماعيل Ishmael وتنطق إشمييل
● يعقوب Jacob وتنطق جيكيب بالجيم المعطشة
● شعيب Shuaib وتنطق شويب
● أيوب Job وتنطق جوب بتعطيش الجيم
● ذو الكفل Dhul-Kifl وتنطق ذوالكايفل
● يونس Jonah وتنطق جونا بتعطيش الجيم
● هارون Aaron وتنطق آرين
● اليشع (اليسع) Elisha وتنطق إليشا
● سليمان Solomon وتنطق سولامن
● إلياس Ezekiel وتنطق إيزيكل (حزقيال)..
● زكريا Zecharia وتنطق زاكارايا
● يحيى John وتنطق جون بالجيم المعطشة
● إبن رشد Averroes وتنطق أفيرويز
● إبن سينا Avicenna وتنطق آفيسينا
● الفارابي Alpharabius وتنطق الفاريبياس
● جابر بن حيان Geber وتنطق جيبر بتعطيش الجيم
● الرازي Rhazes وتنطق ريزيس
● كتاب المقدمة لابن خلدون Prolegomena وتنطق برولوجمينا
● الإدريسي Dreses وتنطق دريزيس
● برقة (ليبيا) Cyrenaica وتنطق سيرينيكا
● تدمر (سوريا) Palmyra وتنطق بالمايرا
● الرافدين (بين النهرين – العراق قديما) Mesopotamia وتنطق ميزوبتيميا
● أنطاكية (مدينة سورية قديمة) Antioch وتنطق أنتيوك
● نهر العاصي Orontes وينطق أورونتس
● المدائن (مدينة عراقية عتيقة) Ctesiphon وتنطق كيتيفون
● إمارة شرق الأردن Transjordan
أما الأصل في الأسماء الفرعونية فهو ما ورد في أصولها الهيروغليفية أو الديموطيقية .. لكنهم يتداولون أسماء نقلت إلى اليونانية من المصرية القديمة وذلك بإضافة is- أو us- إلى اسم العلم proper name مثل:
● يقولون ممفيس Memphis وأصلها منف
● ويقولون أوزوريس Osiris وأصلها أوزير..إلخ..
وفيما يتعلق بحل تلك الإشكالية عمومًا فقد أجمع المهتمون بشئون الترجمة على بعض خطوات تعريب الأسماء بغية إزالة العجمة وذلك بأن نعيد الأسماء العربية لشكلها الأصلي..
أما الموقف من بعض الاسماء الأخرى فينقسم الى نوعين: إذا كان الاسم قد نقل قديمًا وأصبح مستقرًا في العربية على شكل محدد فينبغي ألا ننحت صيغة جديدة له بل ولا ينبغي حتى نطقه مثل أهله .. مثلا ينطق الفرنسيون اسم رئيسهم السابق هكذا (فرانسوا أولاند) François Hollande بينما الاسم مستقر في العربية على (هولاند). فهذا لا ينبغي تغييره بإسقاط الهاء كما يفعل الفرنسيون وإنما يبقى الحرف كما هو في الكتابة العربية..
أما إذا كان الاسم جديدًا في العربية فيحبذ أن ننطقه منذ البداية مثل أهله .. فالاسم الألماني ينطق مثلما ينطقه الألمان وهكذا وليس مثلما ينطقه الإنجليز أو الفرنسيون .. والاسماء الفرنسية تنطق كما ينطقها الفرنسيون لا كما ينطقها غيرهم.
قال سيبويه (أعجمي فالعب به) أي أنه يجوز لعلماء اللغة العرب إعادة صياغة الألفاظ الأعجمية واستنباط مسميات منها بحيث تتواءم والتراكيب والبنية والجرس العربي.. (بالمناسبة سيبويه اسم فارسي من مقطعين هما سي بويه معناه رائحة التفاح إذ كانت تفوح من الرجل هذه الرائحة عند مجالسته) .. وتقول العرب الملك كسرى وأصله خسرو أي الملك الأعظم وقالوا الياصابات تعريب إليزابيث ولذريق أصلها رودريك Ruderic ملك القوط وقالوا جبال البرانس على الجبال التي تفصل بين إسبانيا وفرنسا واسمها الاسباني Pirineos .
وفي بلاد الأندلس قالوا الحمراء على مدينة الهمبرا Hambra ومجريط على مدريد Madrid ومعناها أرض المياه الوفيرة ومرسية على مدينة مورثيا Murcia وهي مسقط رأس سيدي أبو العباس المرسي (وليس المرسي أبو العباس) وضريحه بالاسكندرية والمرسي نسب إلى مدينة مرسية .. ومدينة سيفيا الإسبانية Seville صارت إشبيلية وجرانادا Granada تحولت إلى غرناطة وتوليدو Toledo صارت طليطلة ومدينة كوردوفا Cordova صارت قرطبة فيما كان العرب يطلقون على قيرس القوقازي اسم المقوقس عظيم الروم ومدينة غوادالاخارا Guadalajaraبالمكسيك ويعود أصل تسميتها إلى مدينة إسبانية تحمل نفس الاسم وينحدر اسمها من كلمة عربية للمدينة وهو “وادي الحجارة”.


Great effort our professor.
God bless you
Thanks prof.