بقلم الدكتور/ محمود كامل

في مفاوضات دولية بالغة الحساسية مثل مفاوضات فيينا حول البرنامج النووي الإيراني لا تعد الترجمة مجرد وسيلة لنقل الكلمات من لغة إلى أخرى بل هي عامل حاسم في بناء الثقة وفهم النوايا وتفادي الانزلاق نحو صراع ما. والترجمة الفاشلة سواء أكانت شفوية أم تحريرية قد تنتج مفاهيم مضللة أو تضخم مواقف أو تشوه نوايا الأطراف مما يهدد العملية التفاوضية بأكملها.
أولا: الترجمة كأداة تفاوضية وليست تقنية لغوية فقط
غالبا ما ينظر إلى المترجم في غرف التفاوض كجسر لغوي. لكن الواقع أن المترجم هو وسيط ثقافي وسياسي في آن واحد. في مفاوضات فيينا كان هناك أكثر من لغة حاضرة (الإنجليزية والفارسية والفرنسية والروسية والألمانية) ما يعني وجود مترجمين متعددين يحمل كل منهم خلفيته المهنية والثقافية وقدرا مختلفا من الحياد.
مثال: عندما تستخدم عبارات مثل constructive ambiguity (الغموض البناء) هل تنقل إلى الفارسية أو الروسية بما يعكس دلالتها السياسية الدقيقة؟ أم تتحول إلى غموض مضر يفهمه الطرف الآخر على أنه مراوغة أو عدم التزام؟
ثانيا: فشل الترجمة في نقل النوايا السياسية
المشكلة لا تكمن فقط في الكلمات بل في النوايا التي قد تحملها. هناك فروق دقيقة بين قول Iran must stop enrichment و Iran is urged to stop enrichment الترجمة الحرفية قد تسقط هذا الفرق مما يجعل الخطاب يبدو أكثر صرامة أو تهديدا مما هو عليه.
في عام 2015 نقل عن وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف استخدامه لعبارات مثل “حقنا غير القابل للتفاوض” لكن الترجمة الإنجليزية الرسمية حذفت كلمة غير القابل للتفاوض مما غير من حدة الموقف الإيراني في نظر المتلقي الغربي.
ثالثا: سوء الفهم الناتج عن الثقافة والمرجعيات
الترجمة تتأثر حتما بالسياق الثقافي وغياب الفهم المتبادل قد ينتج تفسيرات مضللة. الثقافة الفارسية على سبيل المثال تميل إلى استخدام التعبيرات الرمزية والمجازية بينما الخطاب الغربي يميل إلى المباشرة. إذا لم يكن المترجم متمرسا في التوفيق بين هذا التباين فالنتيجة قد تكون إخفاقا تفاوضيا.
مثال ثقافي: في أحد الاجتماعات استخدم مسؤول إيراني عبارة “نحن نرغب في الحل بما يرضي الله والناس” التي ترجمت إلى الإنجليزية حرفيا بشكل أربك الجانب الأوروبي وجعل الخطاب يبدو دينيا وليس سياسيا.
رابعا: الترجمة الفورية بين الضغوط والسرعة
الترجمة الفورية في الاجتماعات الحاسمة تتم تحت ضغط نفسي كبير وفي بيئة لا تسمح بإعادة الصياغة. كلمة واحدة في غير موضعها قد تغير المسار.
في 2021 خلال إحدى جولات فيينا أثير جدل داخلي بسبب استخدام المترجم الإيراني لعبارة mutual compromise (تنازل متبادل) التي فسرها الفريق الإيراني السياسي على أنها تسوية مهينة وليست توازنا في المطالب.
خامسا: الترجمة في البيانات الرسمية والوثائق
الوثائق النهائية للاتفاقات تترجم غالبا بعد توقيعها لكن صياغتها الأولية تتم بلغات متعددة. الفروق بين should وshall أو بين commit وintend قد تحدث فرقا قانونيا كبيرا. لذا فإن الترجمة القانونية الدقيقة تعد جزءا من المعركة التفاوضية نفسها.
خاتمة
الترجمة في الوساطة الدبلوماسية ليست عملية تقنية محايدة بل جزء من التفاوض نفسه. فشلها قد يكون نتيجة لغياب الكفاءة أو غموض اللغة الأصلية أو حتى لتعمد الغموض السياسي من الأطراف. ولذلك فإن نجاح أي مفاوضات مثل مفاوضات فيينا يعتمد جزئيا على مترجمين قادرين ليس فقط على نقل اللغة بل على نقل النوايا الثقافة والرسائل الخفية.
• Mona Baker (2006). Translation and Conflict: A Narrative Account. Routledge.
• Ovidi Carbonell (2013). Translation and Negotiation. Meta: Translators’ Journal.
• Dunja Šešelja (2020). Linguistic Ambiguities in Diplomacy. Journal of Language and Politics.
• Mohammad Javad Zarif (2015). Negotiating with the Great Satan.


زادك الله علما ونفع بك يا أستاذنا الدكتور
وإياكم يا معالي الدكتور