Translation
أنا البحرُ فى أحشائِهِ الدرُّ كَامِنٌ .. فَهَلْ سَأَلُـوا الغَـوَّاصَ عَـنْ صَدَفَاتـى؟
كم كان صادقا شاعرنا الكبير حافظ إبراهيم حين قال متباكيا: (اللغة العربية تنعي حظها بين أهلها) وهو ينشد قصيدته العصماء تلك .. فكلنا يدرك موطن الداء the nub of the problem ثم يتغافل عن تعاطي الدواء .. والترجمة جزء لا يتجزأ من هذا الداء؛ إما حين يعمد المترجم الى التراخي عن قدح زناد فكره to rack his/her brains واستنهاض مخزونه المعرفي to incite his/her cognitive yield وإما عندما يركن خانعا إلى ثقافة (ليس في الإمكان أبدع مما كان) The best of all possible worlds .. فيصبح كما يقول العوام (حافظ مش فاهم!) ليبدو مرددا الغث من القول دونما تعقل عندما يقع في حبائل entrapped into الصيغ المقولبة والجامدة dogmas or dogmata والألفاظ المماتة obsolete التي ترجمت منذ قديم الأزل دون أن يكلف نفسه عناء مراجعتها وتنقيحها بل إنه يقبلها على عواهنها عن طيب خاطر willingly accept them at their face value متخيلا أن الباطل لا يأتيها أبدا وأن كثرة تداولها تقف برهانا ساطعا impeccable proof على دقتها وسلامتها..
والحقيقة أن مبدأ الجزمية هذا Dogmatism أو الدوجماتية لا يمثل سوى حالة من الجمود والتزمت الفكري intellectual zealotry يتعصب فيها المترجم لأفكارهِ العتيقة والبالية مع رفضهِ قبول الأفكار المخالفة حتى وإن بدت لهُ الدلائل التي تثبت أن أفكارهُ خاطئة .. وفيما يلي بعض الأمثلة:
(لَئِن): (لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ) [ابراهيم-7]..
(لَئِن) من أدوات الشرط التي منها الجازمة وغير الجازمة .. ومما يقابلها في مجال الترجمة الى الانجليزية : indeed if و truly و surely, if .. وذلك حسب السياق الترجمي .. ويحبذ الاستعانة بها بديلا عن التعبيرات العتيقة والمكرورة..
(اِعْشَوْشَبَ): مثال .. اعشوشب المكان..
ولأن اللغة العربية هي أيقونة الاشتقاق والنحت بين لغات العالم .. نجد الميزان الصرفي للفعل اعشوشب هو (افْعَوْعَلَ) وهو مزيد بالهمزة والواو وتضعيف العين ومثله: إخشوشن – إغرورق – إحدودب – إخضوضر.. وهي أفعال تفيد معنى الكثرة والمبالغة والصيرورة والتحول .. وجميعها من لفظة واحدة على عكس المقابل بالأنجليزية : be grass-covered – be grassy – become covered with vegetation
.. وعليه لا نقول ترجميا .. كثر العشب أو ازداد او تكاثف العشب ..إلخ بل (اعشوشب) وكفى..
(لام الجحود): مثال .. ما كان ليجد طريقه ..
لام الجُحود هي اللام التي تأتي بعد قول منفي مثل قول الله تعالى: “وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ” وتنصب هذه اللام الفعل المضارع .. وقد سميت بهذا الاسم لأنها تفيد النفي والإنكار وعليه تكون تأكيدا للنفي الواقع على الفعل الناقص (كان) .. فمثلا في ترجمة .. ما كان ليجد طريقه .. He wouldn’t have found his way .. نرى أن لام الجحود وحدها قد حلت هنا محل تعبير مركب بالانجليزية..
(اللام المزحلقة): مثل .. “إنَّ في ذلك لعِبْرَةً”..
وتُستخدم للتوكيد وهي في الأصل لامُ الابتداءِ التي تدخل على الاسم الأول (المبتدأ) في الجملة الاسمية لتأكيد المعنى مثلَ: لمُحمد نبيٌّ -عليه السلام-، ولكنَّ لام الابتداء أحيانًا تصطدمُ بمُؤَكِّدٍ آخرَ مع المبتدأ فـتتزحلقُ (أي تتحرك) إلى الخبر، مثلَ: إنَّ مُحمدًا لنبيٌّ .. فكما نلاحظُ فإنَّ الجملة الاسمية السابقة دخلَ عليها المُؤَكِّدُ (إنّ) فانتقلتْ لام الابتداء من المبتدأ إلى الخبر، فصارت لامًا مزحلقة .. فنقول مثلا ..
انه لنصير صلب للضعفاء ..He is truly (indeed) a stern advocate for (of) the vulnerable.. حيث قام حرف اللام هنا مقام كلمة بالإنجليزية truly or indeed..


عَظَمة يا فندم. تحليلٌ بديع. نرفع له القبعة. Chapeau!