أنا البحرُ فى أحشائِهِ الدرُّ كَامِنٌ .. فَهَلْ سَأَلُـوا الغَـوَّاصَ عَـنْ صَدَفَاتـى؟ .. (تابع 1)

كم كان صادقا شاعرنا الكبير حافظ إبراهيم حين قال متباكيا: (اللغة العربية تنعي حظها بين أهلها) وهو ينشد قصيدته العصماء تلك .. فكلنا يدرك موطن الداء the nub of the problem ثم يتغافل عن تعاطي الدواء .. والترجمة جزء لا يتجزأ من هذا الداء؛ إما حين يعمد المترجم الى التراخي عن قدح زناد فكره to rack his brains واستنهاض مخزونه المعرفي to incite his cognitive yield وإما عندما يركن خانعا إلى ثقافة (ليس في الإمكان أبدع مما كان) The best of all possible worlds .. فيصبح كما يقول العوام (حافظ مش فاهم!) ليبدو مرددا الغث من القول دونما تعقل عندما يقع في حبائل entrapped into الصيغ المقولبة والجامدة dogmas or dogmata والألفاظ المماتة obsolete التي ترجمت منذ قديم الأزل دون أن يكلف نفسه عناء مراجعتها وتنقيحها بل إنه يقبلها على عواهنها عن طيب خاطر willingly accept them at their face value متخيلا أن الباطل لا يأتيها أبدا وأن كثرة تداولها تقف برهانا ساطعا impeccable proof على دقتها وسلامتها.. والحقيقة أن مبدأ الجزمية هذا Dogmatism أو الدوجماتية لا يمثل سوى حالة من الجمود والتزمت الفكري intellectual zealotry يتعصب فيها المترجم لأفكارهِ العتيقة والبالية مع رفضهِ قبول الأفكار المخالفة حتى وإن بدت لهُ الدلائل التي تثبت أن أفكارهُ خاطئة .. وفيما يلي بعض الأمثلة: (ألف الحينونة): مثل ..أَحْصَدَ القمح .. أحصى علماء اللغة والنحو ما يزيدُ على ستين استعمالاً لِحَرْفِ الألف وحدَه .. وبعض استعمالاته مُعادِلُها في الإنجليزية يُساوي جملةً أو جملتيْن وأحيانا فقرةً كاملة .. ويطلق عليه أيضا (حرف الألف الوظيفي) .. إذ يسمح لمستعمِله باختصار القول كلاما ونُطقا واختصارِ الجُمل تحريراً وكتابة .. ومنه: (ألف الحَيْنُونة) أو (همزة الاستحقاق) ويدلُ على زمنِ أو أوانِ أو موعِد حصول الشيء ويأتي دائما على وزن “أَفْعَلَ” ومثالُها: أَشْهَرَ المُتدربُ .. وتعني مرّ عليه في التدريبِ شهرٌ كاملٌ. أَحْصَدَ القمْحُ .. وتعني حان وقت حصادِ القمحِ أو صار القمحُ ناضجاً بما يكفي لحصادِه. أحولتِ التجربة.. وتعني مرَّ حولٌ أو عامٌ كاملٌ عليها .. فبدلا من القول .. حان موعد حصاد القمح It’s time to harvest wheat or it’s wheat ripening season.. نقول ببساطة في كلمة واحدة ..أَحْصَدَ القمح.. (ألف الوجدان): وتسمى كذلك (همزة المصادفة) ويُقصد بها مصادفةُ أو موافَقة شيءٍ لصفةٍ أو حالة وتأتي على وزن (أفْعَلْتُ) ومثالُها: أَحْسَنْتُ المديرَ .. أي وجدتُهُ حَسَنَ السلوك والمعاملة. أَكْبَرْتُ مَجهودَ الفريقِ .. أي وجدتُ الفريقَ قد بدلَ مَجهودا كبيراً. أَبْخَلْتُ التاجرَ .. أي وجدتُ التاجرَ بخيلا جدا. أَجْبَنْتُ الفارِسَ .. أي وجدتُهُ جباناً. فنقول مثلا في ترجمة … شعرت بأنه جبان أو استشعرت الجبن في حديثه I felt like he was a coward .. لكن بالاستعانة بألف الوجدان نقول: أجبنته .. وكفى..