طفولة متجذرة في الأشواك

بقلم الدكتور/ محمود كامل

في مساء يوم 13 مايو كان لي شرف حضور معرض مميز في قاعة Art Gallery بحي الزمالك الهادئ الراقي رفقة الصديق العزيز الدكتور فوزي نصار وهو من الأوفياء لعالم الفن التشكيلي. لم تكن زيارتي مجرد جولة فنية عابرة بل تجربة متكاملة كشفت لي عن أسماء فنية واعدة وعلى رأسها الفنانة ندى ندا التي تعرفت إليها عبر صديقي الشاب عمرو الملاح. وسط الزخم البصري في المعرض استوقفتني لوحتها بشكل خاص والتي يمكن أن أقترح لها عنوانا دالا هو …. طفولة متجذرة في الأشواك….. تصور اللوحة شخصية أنثوية ممتلئة واقفة في وضعية تجمع بين التحدي والاستعراض وتمسك في كل يد دمية ملونة واحدة بنفسجية والأخرى خضراء زيتونية. خلفية العمل لا تقل تعبيرا إذ تتداخل فيها أشكال نباتية تشبه الصبار مرسومة بألوان طيفية غير معتادة تمتد وتلتف حول الساقين العاريتين للشخصية ما يمنح العمل عمقا رمزيا وتأويليا غنيا. الفنانة هنا توظف مزيجا من الخطوط الدقيقة والتلوين الباهت القريب من الألوان المائية مع ميل لتشويه تشريحي محسوب يذكرني بأساليب التعبيرية لكن مع نكهة محلية تحاكي الجسد المصري المعاصر بما يحمله من توتر بين الثقل والانتماء وبين الطفولة والرغبة في التمرد عليها. دمى الطفولة لا تبدو هنا رموزا بريئة أو زخرفية بل تحمل دلالات داخلية متشابكة. فاللون البنفسجي الذي يمزج بين هدوء الأزرق وحرارة الأحمر يشير إلى العمق العاطفي وربما الألم المكبوت في حين يوحي اللون الأخضر الزيتوني بالارتباط بالأرض والنمو ولكن بلون متعب كأن النمو لم يكن سهلا أو طبيعيا. أما نباتات الصبار التي تنبع من الخلفية وتلامس الجسد فهي على الأرجح استعارة لحالة وجدانية عالقة وهي الطفولة التي لم تكن ناعمة والذكريات التي رغم ألمها ظلت جزءا لا يتجزأ من هوية الجسد والنفس. تلك الأشواك الملونة قد تمثل أيضا الطفولة المتنوعة التي تم تلوينها لاحقا بجهد شخصي كي تبدو جميلة لكنها لا تزال تحتفظ بحدتها الأصلية. ما لفت في أعمال ندى ندا الستة التي كانت معلقة على جدار أسعدني الحظ بوجود مقعدين أمامه فشغلتهما وصديقي الدكتور فوزي ما ساعدني على قراءة اللوحات بتمعن– وفي هذه اللوحة خصوصا – هو ذلك التوازن الدقيق بين الأسلوب والتعبير. فبين الخط اليدوي الحاد واللون السائل نجد انعكاسا لجسد يرسم من الداخل بقدر ما يرسم من الخارج. الجسد هنا ليس مرآة للجمال أو الشكل بل أرشيف عاطفي حي. وهو ما يجعل من العمل تجربة فنية بصرية وشعورية في آن واحد. عرض هذه اللوحة ضمن فعاليات معرض أقيم في Art Gallery في الزمالك يكشف عن انفتاح متزايد في المشهد التشكيلي المصري على أصوات نسائية تحمل رؤى جمالية وشخصية غير تقليدية. فندى ندا لا تطرح جسدا متمردا فقط بل هو جسد شاعري متجذر وصادق في تمثيله لذاته ولتجارب الأنوثة والطفولة من زاوية نادرة. لوحة طفولة متجذرة في الأشواك لا تكتفي بأن تعرض على الجدار بل تطلب من المشاهد أن يتورط معها عاطفيا. إنها دعوة لقراءة الجسد كبنية روحية تتشابك فيها الطفولة مع النضج والذاكرة مع الحاضر والبراءة مع الأشواك. ففي زمن يبحث فيه الفن عن خطاب بديل ومختلف تضعنا ندى ندا أمام عمل لا يهادن لكنه لا يصرخ ويوجع دون أن يؤلم ويكشف دون أن يفضح. إنها تقدم ببساطة فنا حقيقيا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *