العشاء المقدّس والإفطار المبارك

في فندق فور سيزونز شرم الشيخ وبين أروقة الفخامة كان يجلس رئيس سلسلة الفنادق وسط الموظفين في لقاء رسمي. فجأة خرج من كابينة الترجمة الفورية شاب ضخم يرتدي جلبابا أسود وطاقية سوداء وقد تدلى من عنقه صليب خشبي كبير يكاد يحدث تصادما مع أزرار القميص. جلس المترجم الفوري الشاب بكل وقار وقت الغداء على نفس الطاولة التي جلس عليها صباحا حيث تناول وجبة الفطار وأخذ يضع في طبقه كميات تكفي عائلة كاملة متأملا الطعام وكأنه يستعد لطقس مقدس. عند الإفطار الذي أعقب انطلاق المدفع اختفى الرجل فجأة ثم عاد بحلّة جديدة: جلباب أبيض ناصع وطاقية بيضاء وسبحة صوفية طويلة تهتز مع كل حركة. جلس مجددا وهذه المرة بنية كسر الصيام لكن ليس عن الطعام بل عن ترك أي صنف منه دون تذوق. وقد كرر زيارته للمطعم عند السحور بنفس الملابس. الموظفون في الفندق لاحظوا هذا التحول الروحي فبدأت الهمسات: ألم يكن هذا الأب جوزيف في الفطار صباحا والغداء ظهرا؟ كيف يصبح الشيخ مصطفى عند آذان المغرب وقبل آذان الفجر؟ حتى مدير الفندق بدأ يشك في قوانين الفيزياء الدينية. لكن الحقيقة كانت أبسط من ذلك بكثير أو ربما أعقد: زميل الكابينة المترجم الفوري اكتشف ثغرة زمانية عبقرية للاستمتاع ببوفيه الفندق خمس مرات يوميا متخفيا بين طقسين مختلفين أحدهما بالإفطار والسحور المباركين والآخر بالفطار الصباحي والغداء وقتي الصباح والظهيرة. لكن المصيبة الكبرى وقعت عندما اصطدم بنفس النادل في الوجبات الخمسة فنظر إليه الأخير بدهشة وقال: مولانا… أبونا… أنت مين بالظبط؟ ارتبك الزميل لثانية ثم ابتسم ولوّح بيده قائلا: أنا مجرد رجل… يترجم بين الثقافات… وأطباق الطعام

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *