في انتظار الترجمة

قصة قصيرة
بقلم الدكتور/ محمود كامل

في ركن منسي من المدينة كان ميره وطه يجلسان كل يوم في المقهى نفسه على الطاولة نفسها يحتسيان الشاي البارد ويتبادلان الحديث عن المواعيد التي لا تأتي. ميره مترجم تحريري يحمل حقيبته التي تحوي قاموسا ورقيا قديما رغم أنه لم يفتحه منذ سنوات لكنه يشعر أنه يمنحه شيئا من الشرعية. أما طه فهو مترجم فوري يحتفظ بسماعات أذنيه حول رقبته كطوق نجاة لا يعمل. في كل صباح يرن الهاتف. يرفع أحدهما السماعة: ألو؟ أستاذ ميره؟ أستاذ طه؟ لدينا مشروع ترجمة كبير لكما حقا؟ رائع متى نبدأ؟ غدا سنرسل التفاصيل. جهزا أنفسكما. في كل مساء يسأل ميره: هل وصلك شيء؟ يرد طه وهو يقلب كوب الشاي بين يديه: لا شيء. لكن غدا سيصل العمل. ويعودان للانتظار. يوما بعد يوم يتغير الطقس وتمر الفصول ويزداد غبار المقهى لكن الهاتف لا يحمل سوى وعود متكررة. أحيانا يفكران في الرحيل في البحث عن مهنة أخرى لكنهما لا يفعلان. الانتظار نفسه صار وظيفة وصار الأمل قوت يومهما. في أحد الأيام بينما كانا جالسين في المقهى كعادتهما جاء النادل مبتسما وقال: وصل لكما شخص يبحث عن مترجمَين. تبادلا النظرات بدهشة وقفزا من مقعديهما كمن أيقظته صاعقة. اقترب الرجل ووضع حقيبته على الطاولة وقال بهدوء: هل أنتما مستعدان؟ طبعا أخيرا …… صرخ ميره فتح الرجل الحقيبة… لكنها كانت فارغة. قال بابتسامة باهتة: آسف… الشغل سيأتي غدا وانصرف عاد ميره وطه للجلوس. أمسك ميره بهاتفه تأمله طويلا ثم قال: أتعرف يا طه؟ أحيانا أفكر… هل هناك حقا ترجمة تنتظرنا؟ ابتسم طه بهدوء ورفع سماعاته فوق أذنيه كأنه يسمع صوتا بعيدا لا يدركه أحد سواه ثم قال: غدا سنعرف. وانتظرا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *