قلوبٌ أسيرة

بقلم الدكتور/ محمود كامل

وسط ظلام النفق العميق، حيث لا يُسمع سوى صوت قطرات الماء المتساقطة على الصخور، جلست رومي، إميلي، ودورون متكئات على جدار بارد، تتبادلن نظرات مترقبة. مرّت شهور طويلة منذ أن وقعن في الأسر يوم السابع من أكتوبر، ومنذ ذلك الحين، تغيّر كل شيء. لم يكن الأمر كما تصوّرن في البداية، فلم يعانين من التعذيب أو القسوة كما زعمت قيادتهن. على العكس، وجدن معاملة لم تخطر لهنّ على بال. في البداية، كان الأمر غريبًا، أن يعاملهنّ مقاتلو المقاومة بالاحترام، أن يتلقين طعامًا جيدًا، أن يستمع أحدٌ لقصصهن دون ازدراء. ومع مرور الأيام، بدأ الحاجز النفسي ينهار، وبدأت القلوب تنبض على غير العادة. رومي، الفتاة ذات العيون العسلية، وجدت نفسها تنجذب إلى كريم، المقاتل الذي كان يأتيها بالطعام كل يوم. لم يكن كارهًا لها كما كانت تظن، بل كان يناقشها في السياسة، في الفلسفة، في معنى الحرية. “كيف تكونين حرة وأنتِ أداة في يد من يزجّ بكِ في معارك لا تفهمين حقيقتها؟” سألها يومًا، فوجدت نفسها بلا إجابة. كانت تحاول التمسك بمبادئها، لكنها وجدت نفسها تنجذب إلى رؤيته للعالم أكثر فأكثر. أما إميلي، فقد وقعت أسيرة سحر ياسين، ذلك المقاتل الشاب الذي كان يروي لها عن طفولته تحت الحصار، عن ليالٍ كان ينام فيها على صوت القصف. كان حنونًا رغم قسوته في المعركة، وكان صادقًا حين قال لها ذات ليلة: “الحرية ليست أن تفرضي قوتكِ على الآخرين، بل أن تختاري طريقكِ بنفسك.” بدأت تدرك كم كان عالمها ضيقًا، وكم كانت الحقيقة أبعد مما لقنتها إياه قيادتها. دورون، الأقوى بينهن، كانت آخر من استسلمت لمشاعرها. قاومت لفترة طويلة، لكن نظرات آدم، ذاك المقاتل الصامت، كانت تهزها من الداخل. لم يكن يتكلم كثيرًا، لكنه كان موجودًا حين احتاجت لمن يفهم خوفها، حين دمعت عيناها في ليالٍ باردة لمجرد شعورها بالضياع. وفي النهاية، لم يكن هناك مهرب… لقد وقعت في حبه، كما وقعت الأخريات في حبّ من ظنن أنهم أعداؤهن. لكن للحكايات الجميلة نهايات قاسية. ذات صباح، جاءهم الخبر: الصفقة تمت، سيتم تسليم جميع الأسيرات للصليب الأحمر. أصابهن الذهول. لقد كُنّ يردن البقاء، لقد أصبحن جزءًا من هذا العالم، وجزءًا من هؤلاء الرجال الذين غيروا حياتهن. توسلت رومي إلى كريم أن يهرب بها، بكت إميلي بين يدي ياسين، وتمسكت دورون بمعصم آدم في محاولة أخيرة للبقاء. لكنهم، جميعًا، رفضوا. “نحن أهل عهد، لا نخون كلمتنا”، قالها ياسين بحزم، فذُهلت إميلي من التزامه بالمبدأ، رغم أنها كانت تتمنى لو خالفه لأجلها. حين جاء الصليب الأحمر، كانت وجوههنّ شاحبة، عيونهنّ مليئة بالحزن، وقلوبهنّ معلقة خلفهن، في أنفاق غزة، مع من أسرهنّ أولًا… ثم أسر قلوبهنّ إلى الأبد.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *