مترجم المعمار

في أحد أحياء القاهرة كان سعيد مترجما فوريا محترفا يجلس في مؤتمرات كبرى يترجم كلمات الشخصيات الرفيعة بدقة وسلاسة. لكنه لاحظ مؤخرا أن سوق الترجمة الفورية بدأ يتراجع والمنافسة اشتدت حتى صار المترجمون يقتنصون العملاء كما يفعل القط بفأر الحارة. والأسوأ؟ بعضهم بدأ يخفض الأجر لدرجة جعلت سعيد يترجم لنفسه مقولة ده إحنا كده هنشتغل ببلاش يا جماعة. في أحد الأيام وبعد أن ظل أسبوعا كاملا دون أن يتلقى أي طلب ترجمة جلس يفكر بعمق ثم قال لنفسه ليه أستنى مكالمة من عميل وأنا ممكن أشتغل حاجة تانية تجيب فلوس أكتر؟ وهنا خطرت له فكرة ثورية… العمل في مجال المعمار كعامل يومية. في صباح اليوم التالي استيقظ سعيد مبكرا ارتدى جلابية شعبية وانتعل شبشب كاوتش متين وتوجه إلى أقرب موقع بناء ووقف مع العمال. نظر إليه المقاول نظرة متفحصة وسأله “إنت بتعرف تشتغل إيه؟؟ فأجابه سعيد بحماس: أنا محترف في نقل المعاني من لغة للغة فليه ما أنقلش الطوب من مكان لمكان؟ ضحك المقاول وقال: تعالى جرّب لو عرفت تشتغل فلوسك جاهزة. بدأ سعيد في العمل وبفضل لياقته المكتسبة من التنقل بين قاعات المؤتمرات تمكن من حمل الطوب والأسمنت ببراعة. لكن عاداته المهنية لم تفارقه… كان يعمل وهو يعلّق على كل شيء بأسلوبه الفوري. فعندما سمع رئيس العمال يصرخ يلا يا رجالة شدّوا حيلكم ترجمها على الفور للعمال وكأنها خطاب رسمي “حضرات السادة المحترمين يُرجى تكثيف الجهود في المرحلة الحالية لتعزيز الإنتاجية”. وعندما قال له أحد العمال هات شوية رمل أجابه بنبرة رسمية” أيها الزميل الكريم الرجاء تحديد نوعية الرمل المطلوبة ناعم أم خشن؟” في نهاية اليوم فوجئ سعيد بشيء لم يكن يتوقعه… أخذ 15 ألف جنيه كأجر لأسبوع واحد. وقف يحمل النقود في يده ونظر لها بدهشة قائلا “ده أنا كنت بقعد في البيت بالشهر والشهرين والتلاتة وما يجينيش نص المبلغ ده”. ومنذ ذلك اليوم أصبح سعيد معروفا بين العمال باسم المترجم المعماري وتحولت حياته من ترجمة اللغات إلى ترجمة الأسمنت والرمل والطوب وهو سعيد بالحياة الجديدة… “وأهو بدل ما أترجم كلمات بقيت أترجم عرق لمكاسب”

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *