إشكالات الترجمة السياسية في مفاوضات البرنامج النووي الإيراني قراءة تحليلية في الفروق الأيديولوجية والدلالية
بقلم الدكتور/ محمود كامل
تعد الترجمة السياسية واحدة من أكثر ميادين الترجمة تعقيدا خاصة حين يتعلق الأمر بخطابات رسمية ذات حمولة أيديولوجية عالية كما في حالة البرنامج النووي الإيراني. فالمترجم هنا لا يتعامل مع كلمات مجردة بل مع مفاهيم مشبعة بالسياق الديني والتاريخ الثوري والعقيدة القومية. في هذا المقال نسلط الضوء على أبرز النماذج التي أفضت إلى سوء فهم كبير بين إيران والغرب نتيجة ترجمات لم تراعِ الفروق الدلالية والثقافية والسياسية وذلك عبر أمثلة واقعية مأخوذة من خطابات وبيانات رسمية خلال مفاوضات الاتفاق النووي. الخطوط الحمراء للنظام مقابل Core Interests كثيرا ما تستخدم القيادات الإيرانية تعبير الخطوط الحمراء للنظام وهو تعبير يرتبط بمفهوم الحرام السياسي الذي لا يجوز تجاوزه لأنه يمثل جوهر العقيدة الثورية والسيادة الوطنية خصوصا في خطاب المرشد الأعلى. ولكن حين يترجم إلى الإنجليزية بعبارة core interests فإنه يفقد هذه الهالة الثابتة والملزمة ويبدو وكأنه مجرد عنصر تفاوضي قابل للأخذ والرد. هذا التخفيف في الشحنة الدلالية يربك الطرف الآخر الذي قد يفترض وجود مرونة لا وجود لها في الواقع الإيراني. المقاومة الذكية لا تعني الحلول الدبلوماسية أحد المصطلحات التي أثارت جدلا كبيرا هو المقاومة الذكية والتي ظهرت في خطابات خامنئي عام 2013 بالتزامن مع بداية الانفتاح الدبلوماسي. هذا المصطلح لا يفهم فقط كمناورة سياسية بل كاستراتيجية ثورية تروم تحين الفرص دون خيانة المبادئ. ولكن الترجمة الغربية الشائعة pursuing a diplomatic solution تظهر الموقف الإيراني وكأنه تخل عن المقاومة لصالح التسوية مما يضعف فهم الخلفية العقائدية التي تؤطر كل خطوة تفاوضية. التمكين النووي المشروع في مقابل البرنامج المدني في الخطاب الإيراني يستخدم تعبير التمكين النووي المشروع للدلالة على استقلال تقني وتحقيق السيادة الكاملة على دورة الوقود النووي كرمز للكرامة الوطنية والهيبة الإقليمية. الترجمة المعتادة في الغرب a civilian nuclear program تحصر المعنى في مجرد الاستخدام السلمي وتقصي الأبعاد الاستراتيجية والسيادية التي تراها طهران أساسية في هذا الملف. هذا الانزياح في المعنى قد يقلل من تقدير الغرب لأهمية الموضوع لدى الإيرانيين. رفض التفتيش المهين ليس مجرد رفض للتفتيش المتطفل عند رفض إيران بعض بنود التفتيش الدولي غالبا ما تصفها بأنها تفتيش مهين أي يقوض السيادة الوطنية ويشعر الدولة بالإذلال. في المقابل يترجم المصطلح غالبا إلى intrusive inspections وهي عبارة تقنية تستخدم في إطار الضمانات الدولية. الترجمة هنا تفقد البعد الوجداني والثقافي للموقف وتظهر الاعتراض الإيراني كتحفظ إداري بينما هو في الواقع احتجاج على ما يعد مسا بالكرامة الوطنية. الشيطان الأكبر ترجمة مأزومة بين العقيدة والسياسة أشهر عبارة أيديولوجية في الخطاب الإيراني والتي توصف بها الولايات المتحدة هي الشيطان الأكبر. هذا التعبير ليس مجرد توصيف عدائي بل يحمل دلالة دينية وجودية مستمدة من البعد القرآني في توصيف العدو. ترجمته الحرفية The Great Satan أحيانا تستخدم ولكن في الإعلام الغربي تخفف العبارة إلى arch-enemy أو major adversary . هذه الترجمات تفقد المصطلح زخمه العقدي وتقدمه كخلاف سياسي طبيعي ما يؤدي إلى سوء فهم عميق لطبيعة الخطاب الإيراني تجاه الغرب. من الضمانات التنفيذية إلى الضمانات القابلة للتحقق من بين القضايا الأساسية في المفاوضات مسألة الضمانات. إيران تطالب بما تسميه ضمانات تنفيذية أي التزامات قانونية تجبر الطرف المقابل على الوفاء بالتزاماته. ولكن الترجمة الغربية الشائعة هي verifiable guarantees والتي تشير فقط إلى إمكانية التحقق من التنفيذ لا إلى قوة الإلزام. هذا الفارق الدلالي ليس بسيطا إذ يغير جوهر المطلب الإيراني ويجعل الغرب يعتقد أن مجرد المراقبة كافية بينما تطلب طهران آلية تنفيذ ملزمة. الهيمنة الغربية ليست مجرد تأثير خطاب إيران في السياسة الخارجية يرتكز على رفض الهيمنة الغربية على القرار الدولي وهو تعبير يعكس رؤية ثورية ترى في النظام العالمي الحالي استمرارية للهيمنة الإمبريالية. لكن في أغلب الترجمة الإنجليزية يستعاض عنها بتعبير Western influence in international policy وهي عبارة أخف بل تستخدم أحيانا بطريقة شرعية في الأدبيات الدبلوماسية. هذا التخفيف يطمس التوجه الصدامي في خطاب إيران ويظهر الأمر وكأنه خلاف على التفاصيل لا على بنية النظام الدولي نفسه. البعد الرمزي والسياسي في الترجمة المشترك بين كل الأمثلة السابقة أن المصطلحات الإيرانية الأصلية غالبا ما تكون محملة بــطبقات من الدلالة دينية وقومية وسياسية ووجدانية. أما الترجمة الغربية لها فتميل إما إلى التخفيف أو التكنوقراطية أو نزع الأيديولوجيا عنها. وقد يكون ذلك متعمدا لأسباب دبلوماسية أو غير مقصود نتيجة لعدم دراية كافية بالسياق الإيراني. في كلتا الحالتين فإن النتيجة واحدةوهي فهم معطوب يؤدي إلى سوء تقدير سياسي. وأود أن أتقدم في ختام مقالي بمجموعة من التوصيات العملية للمترجم السياسي تتضمن عدة نقاط هامة. أولا من الضروري تجاوز القاموس التقليدي إلى دراسة السياق السياسي والأيديولوجي لكل تعبير حيث إن المعاني تتغير بناء على السياق الذي تستخدم فيه. ثانيا يفضل الاطلاع على النصوص الأصلية بلغاتها الثلاث (الفارسية العربية الإنجليزية) متى أمكن ذلك لضمان دقة الترجمة وفهم المعاني بدقة. ثالثا التشاور مع باحثين في الشأن الإيراني أو خبراء في الفكر السياسي الإسلامي يعد أمرا بالغ الأهمية لفهم المفاهيم المركبة التي قد تكون غير واضحة أو ذات مدلولات متعددة. رابعا يجب الانتباه إلى البعد الرمزي في الخطابات خاصة تلك التي تصدر عن المرشد الأعلى أو الحرس الثوري لأن هذه الخطابات غالبا ما تحمل معان رمزية ودلالات عميقة تتجاوز المعنى الحرفي. خامسا من الضروري التحلي بالحياد في الترجمة مع التركيز على نقل الدلالة الحقيقية للنصوص حتى لو كانت الترجمة محرجة سياسيا حيث أن الهدف من الترجمة هو نقل الأفكار والمعاني بدقة وموضوعية دون تحيز أو تشويه. إن الترجمة السياسية وخاصة في النزاعات ذات الأبعاد الأيديولوجية كملف إيران النووي ليست مجرد نقل لغوي بل هي عمل سياسي وثقافي حساس. وقد يؤدي سوء الترجمة أو اختيار المصطلح غير الدقيق إلى إخفاقات دبلوماسية كبرى. لذا فإن المترجم في هذه السياقات لا يعد ناقلا للخطاب فحسب بل مشاركا في تشكيل صورة دولة وتحديد معالم نزاع بل أحيانا في هندسة السلام أو استمرار الحرب. Trita Parsi, Losing an Enemy Obama, Iran, and the Triumph of Diplomacy, Yale University Press, 2017. Suzanne Maloney, Iran Reconsidered The Nuclear Deal and Beyond, Brookings Institution Press, 2020. Kenneth Katzman, Iran Internal Politics and U.S. Policy and Options, Congressional Research Service, multiple editions. Mostafa T. Zahrani, The Role of Language in Iranian Diplomatic Practice, Iranian Review of Foreign Affairs, 2014. U.S. Department of State, Joint Comprehensive Plan of Action (JCPOA), 2015. Farideh Farhi, Language, Culture and Diplomacy Iran’s Nuclear Negotiations, Middle East Institute, 2016. BBC Monitoring, Al-Mayadeen Archives, and Iran’s Press TV (لتحليل صياغات الخطاب الإعلامي الرسمي وترجمته).