قصة شعبين بقلم/ الدكتور محمود كامل

قصة شعبين بقلم/ الدكتور محمود كامل كان الهواء مشبعًا برائحة الوقود المحترق في نهر بوتوماك. صرخات النجاة، النداءات المتقطعة، وأضواء سيارات الطوارئ التي انطلقت كقلب المدينة المرتجف في تلك الليلة المأساوية. الطائرة، التي كانت تهبط بسلام، اصطدمت بمروحية عسكرية بلاك هوك، فتهاوت أجزاؤها إلى الماء، وأصبحت جثث الركاب تطفو على سطح النهر المتجمد. انتشرت فرق الإنقاذ، وحلّقت الكاميرات، وعجّت الشاشات بعناوين عاجلة: “كارثة جوية في واشنطن! العالم في حالة حداد!” وفي ذات اللحظة، على بعد آلاف الأميال، كان الصمت يخيّم على غزة، رغم أن صراخ الأمهات كان يملأ الهواء برائحة الفقد والدمار. قنبلة تزن طُناً أسقطتها طائرة حربية، اخترقت المبنى وكأنه من ورق، فدفنت تحت أنقاضه أطفالًا كانوا يحلمون بالصباح. سبعة وأربعون ألفًا، لا أسماء لهم في نشرات الأخبار، لا مشاهد درامية لفرق الإنقاذ، ولا تصريحات رسمية تعبر عن الأسى. فقط أرقام تتناثر بين صفحات التقارير الصامتة. في واشنطن، كان الصحفيون يتسابقون لنقل آخر المستجدات، عدسات الكاميرات تقتنص مشاهد العائلات المفجوعة، عناوين الصحف تُنذر العالم بالفاجعة. “المأساة تهزّ أمريكا!”، “العالم يتضامن مع الضحايا!”، “التحقيقات جارية لمعرفة سبب الكارثة!”. رؤساء الدول يبعثون برسائل التعزية، والمؤسسات الخيرية تعلن عن حملات دعم لعائلات الضحايا. أما في غزة، فكانت المذبحة مجرد رقم في تقرير دولي. شريط إخباري سريع في أسفل الشاشة: “مقتل عشرات الفلسطينيين في غارة إسرائيلية”. لا عناوين عاجلة، لا تحليلات مستفيضة، لا دموع تملأ وجوه المذيعين. مجرد صمت يثقل الهواء، وكأن أرواح الأطفال التي صعدت إلى السماء لم تكن تستحق حتى دقيقة حداد. وقف سامر، الشاب الذي خسر عائلته تحت الأنقاض، يحدّق إلى شاشة التلفاز في متجر صغير ما زال قائمًا وسط الدمار. شاهد تغطية الحادثة في واشنطن، ورأى كيف يبكي العالم على أرواح الضحايا هناك، فيما صمت عن صرخات أهله هنا. أطلق ضحكة مريرة، لم تكن ضحكة سعادة، بل كانت ضحكة من فهم اللعبة متأخرًا. نظر إلى أنقاض منزله، ثم إلى الشاشة، وهمس: “يبدو أن موتنا ليس كافيًا ليبكي العالم… ربما لو متنا بطريقة مختلفة، ربما لو كنا على متن طائرة أمريكية، لكنا اليوم قصصًا تبكي لها العيون وتكتب لها القصائد…”

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *