أولويات معوجة: تبرعات لمن لا يحتاج وإهمال لمن يستحق

بقلم الدكتور/ محمود كامل

في مشهد يكاد يكون عبثيًا، سارع بعض رجال الأعمال المصريين إلى التبرع بالمصروفات التعليمية للمستفيدين من المنح الأمريكية التي قررت إدارة ترامب وقفها. هؤلاء المتبرعون، الذين ظهروا فجأة كفرسان لإنقاذ طلاب ليسوا بحاجة إلى إنقاذ، تجاهلوا تمامًا معاناة آلاف التلاميذ والطلاب في المدارس والجامعات الحكومية، حيث الفصول المكتظة، والمقاعد المتهالكة، والوسائل التعليمية التي لا وجود لها إلا في خطب المسؤولين. أي منطق أعوج هذا الذي يجعل رجال الأعمال ينفقون أموالهم لإنقاذ حفنة من الميسورين، بينما الفقراء الحقيقيون يرزحون تحت وطأة العوز والحرمان؟ كيف يجد هؤلاء في أنفسهم الجرأة على التباهي بكرمهم المزعوم، بينما الأطفال في القرى والمناطق النائية يدرسون على الأرض، إن وجدوا مدرسة من الأساس؟ أليس الأولى بهؤلاء أن يلتفتوا إلى المشكلات الحقيقية التي تعاني منها منظومتنا التعليمية المتداعية؟ هل أصبح دعم الطبقات المحظوظة أكثر وجاهة من مد يد العون لمن لا يملك ثمن القلم والدفتر؟ هذه الظاهرة ليست مجرد سوء تقدير، بل هي انعكاس لثقافة مشوّهة تعطي الأولوية للظهور الإعلامي والتفاخر الكاذب على حساب المسؤولية الحقيقية. لو كان لدى هؤلاء ذرة من الضمير، لوجهوا تبرعاتهم إلى المدارس التي تتساقط جدرانها، وإلى الطلاب الذين يضطرون لترك الدراسة بسبب الفقر. لكن للأسف، يبدو أن «الاستعراض الخيري» أهم من الفعل الخيري الحقيقي، وأن الفقراء الحقيقيين سيظلون، كما كانوا دائمًا، خارج حسابات أصحاب المال والنفوذ.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *