Translation
حتى لا يتهم المترجم بالخيانة .. فعليه التحلي بالدقة والأمانة..
دأبت have persistently المنابر الثقافية cultural forums وتلك المتعلقة بحقل الترجمة على ترديد مقولة (المُترجم خائن) التي نشأت إبّان عصر الحداثة modernity era فيما تسربت أيضا مفاهيم أخرى منها (الفاتنة الخائنة) .. ويعود التعبير الأخير إلى القرن السابع عشر حينما تهكَّمَ الشاعر والفقيه اللغويّ الفرنسيّ جيل ميناج Gilles Ménage على ترجمات بعض أقرانه قائلًا إنها: «تُذكِّرني بامرأةٍ أُغرِمتُ بها في مدينة تور، كانت جميلة لكنّها خائنة» ومنذئذ شاع هذا التعبير الفرنسي (Belles infidèles) وهو ساخر وسجعي في طبيعته للإشارة إلى الترجمات التي رغم جمالها لا تتّسم بامانة النقل trustworthiness من النصّ الأصلي original text إذ شاعت فيما بعد ترجمات حرّة لا تجد حرجًا في تعديل النصّ الأصل وتحريفه .. وفي جميع الأحوال فإنّ علم الترجمة -من منظورٍ أكاديميّ- يترفّع عن refrains from هذا التيّار جملةً وتفصيلًا altogether or entirely لأنه بعيدٌ كلَّ البعد a far cry from عن أساسيّات الترجمة المُنضبطة والدقيقة والمُؤتمنة highly guarded..
وربما يقصد بخيانة الترجمة هنا اللجوء إلى بعض أنواعها مثل:
الترجمة التلخيصية precis translation التي توجز ما جاء في الأصل..
أو الترجمة التفسيرية paraphrase التي تشرح إقتباسا بمفردات مرسلة وتسمى أيضاً ترجمة المعنى بالمعنى sense-to-sense translation وهي من أقدم أساليب الترجمة وتقوم في الأساس على ترجمة معنى الجملة كاملة قبل الانتقال إلى الجملة التي تليها وهي بذلك تكون قد خالفت النمط المتبع في أسلوب الترجمة كلمة بكلمة وتعرف بالترجمة الحرفية أو النصية وتقوم على ترجمة كل كلمة على حدة بالترتيب أو ما يعرف اصطلاحا metaphrase إذ تنقل ما ورد في الأصل بحذافيره scrupulously..
أو الترجمة بتصرف adaptation والتي قد تضطر المترجم إلى إيراد إضافة تركيبية superadded idea تقوي معنى النص المترجم ولا تخل بالسياق..
يذكرنا هذا – مع الفارق الشاسع بطبيعة الحال – بنوعية الهتافات التي كان المصريون يطلقونها أثناء المظاهرات إبان الاحتلال الإنجليزي .. إذ كانت أصوات الحناجر تتعالى مزمجرة (مصر والسودان لنا … وانجلترا إن أمكنا) وبغض النظر عن أن الجملة غير واقعية وهدفها السجع ليس إلا .. فقد كانت تقطر سخرية ﻻذعة وتطفح مرارة وأنها محض (افتكاسة وهجص وأونطة بالبلدي الفصيح) من إفرازات شعب مقهور يعاني الأمرين من البطش ويرزح تحت نير المحتل .. إذ يتأتى أن يطالب المتظاهرون بالوﻻية على انجلترا العظمى وهي الإمبراطورية مترامية الأطراف التي لا تغيب عنها الشمس آنذاك ؟!! قصارى القول أن هذا الهتاف حنجوري فارغ وخزعبلي يخلو من المضمون مثله مثل تلك الترجمة ذات المظهر البراق والخادع والتي تبعد كل البعد عن مدلول اللغة المصدر Source Language..
وفي هذا السياق يقع كثير من المترجمين في حبائل entrapped into الصيغ المقولبة والجامدة dogmas or dogmata التي ترجمت منذ قديم الأزل لكنهم لم يكلفوا أنفسهم عناء مراجعتها أو يقدحوا فيها زناد الفكر rack their brains بل قبلوها على عواهنها accepted them at their face value ويتخيلون أن الباطل لا يأتيها أبدا وأن كثرة تداولها تقف برهانا ساطعا impeccable proof على دقتها وسلامتها .. لكن مبدأ الجزمية Dogmatism هذا أو الدوجماتية لا يمثل سوى حالة من الجمود والتزمت الفكري intellectual zealotry يتعصب فيها المترجم لأفكارهِ الخاصة مع رفضهِ قبول الأفكار المخالفة حتى وإن بدت لهُ الدلائل التي تثبت أن أفكارهُ خاطئة .. وتحفل المقولات التي سبق ترجمتها قديما بكثير من الأخطاء المشوبة بعدم الدقة .. ناهيك أنها تنتمي للترجمة (الفاتنة..الخائنة) .. وفيما يلي بعض الأمثلة التوضيحية:
كان المفكر المصري القبطي سلامة موسى من أوائل من تأثروا واستقبلوا بحفاوة بالغة نظريات كبرى حاولت تفسير الإنسان والعالم تفسيراً شمولياً ومنها (نظرية التطور) Theory of Evolution أو النشوء والارتقاء التي أطلقها تشارلز داروين Charles Darwin وتقوم على افتراض مادي أساسه أنّ الكائنات الحية عُرضة للتطور من خلال التغير التدريجي على مدار الزمن استنادا إلى قاعدة حتمية هي الانتخاب الطبيعي Natural Selection و Survival of the fittest وهي الجملة التي بادر موسى إلى ترجمتها (البقاء للأصلح) من واقع تفكيره من منظور علماني بحت ودعوته الملحة إلى محاكاة الغرب .. لكن سرعان ما تصدى له المفكر الكبير عباس محمود العقاد قائلا : (إن سلامة موسى أثبت شيئاً مهماً؛ هو أنه غير عربي كما إنّ العلماء يحسبونه على الأدباء والأدباء يحسبونه على العلماء؛ لهذا فهو المُنبتّ الذي لا عِلْماً قطع ولا أدباً أبقى” .. وقال إن البقاء (للأنسب) وليس للأصلح لأن الصلاح والتقوى والاستقامة والورع صفات ذات صبغة دينية ولغوية تتنافر والمعنى المستهدف .. والمقصود في هذا السياق أن البقاء ليس للصالح أو الطالح بل للأنسب the fittest .. لذا فالأدق القول (البقاء للأنسب) .. وهذا مثال يؤكد (خيانة) المترجم والترجمة..
يكتبون .. ماري مرقس وماري جرجس وهذا خطأ .. القديس مارمرقس أو مارمرقص Saint Mark ويلقب بالبشير او الإنجيلي Evangelist والرسول disciple or apostle وصاحب إنجيل مرقس Gospel of Mark ويشتهر أيضا باسم الشهيد Martyr ومنها اشتق المقطع المختصر (مار) أي الشهيد ليصبح الاسم مارمرقس .. يقال أيضا إن مار كلمة سريانية تعني السيد .. وهو مؤسس الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بالإسكندرية أو الكرازة (التبشيرية) المرقسية .. ومثله أيضا القديس جرجس أو مارجرجس أو سان جورج ويلقب بأمير الشهداء Prince of Martyrs أما القديس مارمينا العجايبى Saint Mina the Wonder-worker فعادة ما ينطق اسمه صحيحا فلا يقال ماري مينا .. وها هنا مثال آخر على (الخيانة)..
كلمة insight في السياق العلمي هي النظرة الثاقبة أو الرؤية المتعمقة أو البصيرة النافذة لكنها في جميع الأحوال ليست الإطلالة view أي المنظر البديع كما يرد وهذا أيضا مثال على (الخيانة)..
المنظمة العالمية لصحة الحيوان World Organization for Animal Health هو الاسم الصحيح المعتمد لها وليس .. المنظمة الدولية للصحة الحيوانية .. كما يرد فهي: أولا عالمية World بحكم طبيعة تخصصها أي أنها لا تختص بدول معينة international دون غيرها .. ثانيا في هذا النوع من التسميات نلجأ إلى التعريف بالإضافة أي المضاف والمضاف إليه وليس الصفة والموصوف .. فنقول مثلا حديقة الحيوان وعالم الحيوان وليس الحديقة الحيوانية ونقول صحة الإنسان وليس الصحة الإنسانية وما إلى ذلك .. لأن استخدام الموصوف وهو الصحة ثم الصفة متبوعة بياء النسب ثم تاء التأنيث أي الحيوانية هنا بعيد عن الغرض من التسمية أو أسلوبها..
يقولون .. أدبيات العلوم أو أدبيات السياسة مثلا كترجمة لكلمة scientific or political literature وهذا خطأ ترجمي لأن كلمة literature هنا لا تمت بأي صلة للأدب والأدبيات بل معناها المعلومات أو النشرات أو المنشورات أو المطبوعات أو الكتابات أو الموضوعات المتعلقة بالعلوم او السياسة..
يردد كثيرون ومنهم مثقفون للأسف كلمة (زهايمر) بحذف (ال) على اعتبار أنها أداة التعريف وهذا خطأ جسيم يمثل خيانة ترجمية لأن الاسم الصحيح ألزهايمر بالألف المهموزة نسبة إلى العالم الألماني ألويسوبس ألزهايمر Aloysius Alzheimer (وبالمناسبة النطق الصحيح بالانجليزية لاسم المرض هو ألتسهايمر وليس ذلك الاسم الشائع المشوه) .. المعروف أن لعادل إمام الفيلم المعروف (زهايمر).

