حين تخوض الكلمات الحرب … نقد الترجمات العسكرية في الإعلام العربي

بقلم الدكتور/ محمود كامل

شهدت الحرب الأخيرة بين إيران وإسرائيل (13-24 يونيو 2025) استخدام موجة من الأسلحة المتطورة التي أضيفت إلى قاموس الإعلام العسكري من الصواريخ الموجهة المسماة بـ”خیبرشکن” و”قاسم بصیر” إلى الصواريخ “السريعة فوق الصوت” ذات السرعة الهائلة. كان لترجمة هذه المصطلحات دور بارز في تشكيل الرأي العام وطبعا صاحبتها سلسلة من الأخطاء والتضليلات. سأحلل هنا أبرز هذه المصطلحات آليات ترجمتها وننتقدها نقدا منهجيا. Kheibar Shekan خیبرشکن Breaker of Kheibar المصطلح الفارسي “خیبرشکن” يتكون من كلمتين هما “خیبر” في إشارة إلى الحصن اليهودي الشهير قرب المدينة المنورة و”شکن” بمعنى “كاسر” أو “محطم”. يطلق الاسم على صاروخ باليستي متوسط المدى يتمتع بقدرات على تجاوز أنظمة الدفاع الجوي. وفي الإعلام العربي ظهرت ترجمات متباينة لهذا المصطلح. فبعضها استخدم التعبير الكامل “صاروخ خیبرشکن” أو “كاسر خیبر” بينما اكتفى البعض الآخر بنقل الاسم كما هو دون ترجمة أو شرح دلالته الرمزية. وقد ركزت معظم الترجمات على الطابع العنيف في الاسم (كسر الحصن) لكنها في الغالب أغفلت خلفيته التاريخية والدينية المرتبطة بغزوة خيبر ما أضعف أثره الرمزي لدى المتلقي العربي. إن الترجمة الناجحة لا تكتفي بالنقل الحرفي بل تقتضي أيضا الإحاطة بالسياق الثقافي والتاريخي للمصطلح. وفي هذه الحالة كان من الضروري إرفاق الترجمة بتوضيح يشير إلى رمزية “خيبر” في الوعي الإسلامي وهو ما نادرا ما حدث مما أدى إلى تراجع فاعلية الاسم لدى الجمهور العربي وفقدانه جزءا كبيرا من قوته الدلالية. Qassem Bassir قاسم بصیر يحمل هذا المصطلح اسم صاروخ متوسط المدى يبلغ مداه نحو 1200 كيلومتر ويتميز بنظام ملاحة محلي وأجهزة مقاومة للكشف والتشويش. الاسم مركب من “قاسم” في إشارة مباشرة إلى اللواء قاسم سليماني القائد السابق لفيلق القدس ومن “بصیر” بمعنى “البصير” أو “المدرك” ما يمنح الاسم طابعا رمزيا يجمع بين البعد الشخصي والديني. وفي التغطيات الإعلامية ظهر المصطلح أحيانا بصيغة “صاروخ بصیر” فقط أو “قاسم بصیر” دون أي ترجمة أو شرح ما أضعف من حمولة الاسم الرمزية والقومية. فإغفال ذكر سليماني في الترجمة العربية سواء عن قصد أو غير قصد قلص من الأثر النفسي والعاطفي الذي يمكن أن يحدثه لدى الجمهور الإيراني أو العربي المتعاطف مع الخطاب المقاوم. كما أن ترجمة Bassir إلى “البصير” بشكل مجرد دون الربط بالصفة القيادية أو القدسية في التسمية يجعلها تفقد جزءا كبيرا من وظيفتها الرمزية المركبة التي تهدف إلى تمجيد شخصية شهيرة وإضفاء هالة من البصيرة والتوجيه على التقنية المستخدمة. وبالتالي تضعف الترجمة غير الواعية من فاعلية الخطاب الإعلامي وتفقد الاسم كثيرا من دلالاته العميقة. Fattah-1 فاتح 1 أعلنت إيران أن صاروخ “Fattah-1” يتمتع بسرعة تفوق Mach 13–15 ما يضعه نظريا ضمن فئة الصواريخ الفرط صوتية Hypersonic. غير أن عددا من الخبراء العسكريين شككوا في صحة هذه الادعاءات خصوصا ما يتعلق بطبيعة الصاروخ وقدرته على المناورة وهو ما يعد شرطا أساسيا لتصنيفه كصاروخ هايبرسوني فعلي وليس مجرد صاروخ باليستي عالي السرعة. وفي التغطية الإعلامية تم تصنيف “Fattah-1″ غالبا كـ”صاروخ فرط صوتي” وهي ترجمة تعكس قدرا من الانبهار وتضخيم السرعة دون التمييز الفني بين “صاروخ باليستي سريع” و”صاروخ هايبرسوني قابل للمناورة”. هذا الخلط ساهم عن قصد أو غير قصد في دعم الرواية الإيرانية ومنحها هالة تكنولوجية قد لا تكون دقيقة. الترجمة الموضوعية تتطلب صياغة متوازنة تعكس المعطيات الفنية بحيادية مثل: “صاروخ ذو سرعة فائقة تصل إلى حدود Mach 13–15 غير أن خبراء عسكريين يشككون في تصنيفه كهايبرسوني حقيقي نظرا لغياب دلائل واضحة على قدرته على المناورة الفعالة.” مثل هذا التوصيف يمنح الجمهور فهما أدق دون الوقوع في فخ التهويل أو التبسيط. Hypersonic صاروخ هايبرسوني ورد في التقارير أن إيران أطلقت صاروخ “Fattah-1” بهدف خداع منظومة “القبة الحديدية” والدفاعات الجوية الإسرائيلية. وفي التغطيات العربية جرى وصف الصاروخ بعبارات مثل “فائق السرعة” أو “هايبرسوني” دون توضيح الفارق التقني الدقيق بين المفهومين ودون بيان ما إذا كان الصاروخ يتحرك بسرعة تفوق Mach 5 فقط أم يتمتع فعلا بقدرات مناورة متقدمة كما في الصواريخ ذات الرؤوس الانزلاقية (MaRV) . المصطلح “هايبرسوني” يشير في الأصل إلى تقنية معقدة ومحددة لكن الإعلام كثيرا ما يستخدمه بشكل فضفاض فيطلق على أي صاروخ سريع دون مراعاة الاشتراطات التقنية اللازمة. ومن هنا تأتي أهمية الدقة في ترجمة المصطلحات العسكرية والتمييز بين “فائق السرعة – Hypersonic” بوصفه توصيفا عاما و”قابل للمناورة – MaRV” بوصفه توصيفا تخصصيا يتطلب خصائص تقنية متقدمة. وتنتشر في التغطيات العربية لبعض العمليات العسكرية مصطلحات عامة مثل “سرب الصواريخ” و”حرب الطائرات بدون طيار” وغالبا ما تكون هذه الترجمات ترجمة حرفية لمصطلحات تقنية أشد تعقيدا. فعلى سبيل المثال ترجم مصطلح drone swarm إلى “سرب طائرات بدون طيار” وهو وصف صحيح من الناحية اللغوية لكنه غالبا ما يقدم دون شرح لطبيعة هذا النمط من الهجوم القائم على الذكاء الاصطناعي والتنسيق الذاتي بين الطائرات ما يفرغ المصطلح من مضمونه العملياتي. أما مصطلح Missile Shower System فقد ظهر في بعض التقارير على أنه “هجوم تشويش راداري” وفي أحيان أخرى ترجم إلى “نظام زخ الصواريخ” وهي ترجمة مباشرة من التعبير الإنجليزي لا تتمتع بدقة فنية أو لغوية. فالبديل الأفضل والأكثر رصانة هو “نظام الإطلاق المتتابع لصواريخ متعددة من منصة واحدة” وهو توصيف يعكس طبيعة التكتيك بوضوح ويبتعد عن الإنشاء البلاغي الفضفاض. إن هذه الترجمات العشوائية تؤدي إلى تشويش الصورة الذهنية لدى المتلقي وتحول الجمهور من متابع واع إلى مستهلك لمصطلحات ضبابية تضفي طابعا دراميا لا يعكس الواقع العسكري بدقة. لذلك فإن ضبط المصطلح ونقل السياق التقني بدقة يعد ضرورة إعلامية لا ترفا لغويا. الخلاصة أنه يجب على المترجم أن يدرك البعد الرمزي والثقافي للمصطلحات العسكرية لا أن يكتفي بالنقل الحرفي. فمثلا مصطلح “خیبرشکن” لا يمكن التعامل معه بوصفه مجرد اسم بل هو محمل بإيحاءات تاريخية ودينية تعود إلى غزوة خيبر ما يستوجب شرحه أو الإشارة إلى خلفيته السياقية لا الاكتفاء بنقله كما هو. كذلك لا غنى عن الدقة التقنية فالمهنية الصحفية تقتضي التمييز بين مصطلحات مثل هايبرسوني hypersonic وسريع high-speed ballistic ومانع للمناورة MaRV Maneuverable Reentry Vehicle. الخلط بينها يحدث تشويشا في وعي الجمهور ويسهل التلاعب بالمعلومة. إلى جانب ذلك تعد الشفافية الإعلامية ركيزة لا يمكن تجاهلها. فعند نقل تصريح من مسؤول عسكري كوزير الدفاع أو مصدر رسمي ينبغي دائما تضمين صيغة مقابلة مثل: “لكن خبراء يشككون…” أو “يرى مراقبون خلاف ذلك…” تحقيقا للتوازن في نقل الصورة. ولا بد للمترجم أيضا أن يقرأ ما بين سطور الخبر. فالثابت أن كثيرا من وسائل الإعلام العربية تعتمد على البيانات الرسمية دون تدقيق أو تحليل مستقل ما يحولها إلى منصات تسويق سياسي أو عسكري أكثر منها أدوات لنقل المعرفة. وباختصار فإن ترجمة المصطلحات الحربية ليست مجرد نقل لغوي بل هي حجر الزاوية في بناء وعي الجمهور. وأي خطأ في هذا المجال لا يعد مجرد زلة لغوية بل قد يسهم في تضليل الجمهور أو خلق حالة من الهلع الاصطناعي أو الترويج لرواية رسمية دون تمحيص. الترجمة الرصينة يجب أن تعكس التقنية وتحترم الخلفية التاريخية وتلتزم بالرؤية النقدية الموضوعية.

2 thoughts on “حين تخوض الكلمات الحرب … نقد الترجمات العسكرية في الإعلام العربي

Leave a Reply to DR-MAHMOUD Cancel reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *