دموع الكافيار وحسرات الفول: حينما يصبح السوشي حقًا مكتسبًا

بقلم الدكتور/ محمود كامل

في مشهد درامي يهز القلوب (قلوب الأثرياء طبعًا)، خرج علينا طالب من الجامعة الأمريكية بالقاهرة على شاشة التلفاز، غارقًا في دموعه الغالية، متحسرًا على مستقبله الذي ضاع مع قرار وقف المنح الدراسية التي كانت توفر له ترف الدراسة في جامعة تحفها المكيفات من كل جانب، وتزينها مقاعد وثيرة لا تعرف خشونة الخشب ولا برد البلاط. تخيلوا الكارثة! هذا الطالب المسكين، الذي كان بالأمس القريب يتناول السوشي في سكنه الفاخر، أصبح الآن مهددًا بالانتقال إلى جامعة حكومية حيث يعشش الفول والطعمية في المقاصف، والمواصلات العامة هي السبيل الوحيد للوصول إلى المحاضرات. يا لها من مأساة تهتز لها أعمدة المجتمع الأكاديمي وتُعلن لها الفضائيات حالة الطوارئ، ويهرع الإعلاميون لمساندة هذه الفئة المنكوبة التي كادت تفقد أبسط حقوقها الإنسانية في تناول المأكولات الراقية. ولكن لحظة… ماذا عن طلاب الجامعات الحكومية؟ هؤلاء الذين لا يجدون ثمن الكتاب الجامعي، فيلجأون إلى ملازم ممزقة من النسخ القديمة، أو يقضون ساعات طويلة في طوابير مراكز التصوير لتوفير بضع جنيهات؟ ماذا عن الطالب الذي يفترش الرصيف بين المحاضرات لأنه لم يجد مكانًا في المدرجات المزدحمة؟ ماذا عن ذلك الذي يقطع يوميًا عشرات الكيلومترات في وسائل مواصلات أشبه بعربات الماشية، بينما كانت وسائل انتقال زميله المحظوظ مجرد كبسة زر على تطبيق لسيارات الأجرة الفاخرة؟ إن الانتفاضة التي شاهدناها لمساعدة “طلاب المنح” في الجامعة الأمريكية لم تحدث يومًا لآلاف الطلاب الذين يناضلون يوميًا للحصول على أبسط مقومات الدراسة في الجامعات الحكومية. لم نرَ مذيعة تنفعل أمام الكاميرا وهي تسأل كيف يمكن لطلاب العلم أن يدرسون في قاعات تنعدم فيها التهوية، أو كيف لهم أن يناموا في غرف المدينة الجامعية التي بالكاد تتسع لكرامة الإنسان؟ لكن يبدو أن هناك “طلاب درجة أولى”، إذا تعثرت خطاهم في طريق الرفاهية، تداعت لهم المؤسسات الإعلامية والجامعية كأنهم أصحاب الحق الحصري في مستقبل مشرق، بينما طلاب الجامعات الحكومية يُتركون لمصيرهم تحت رحمة الظروف والبيروقراطية. فهل أصبح التعليم امتيازًا للمترفين فقط؟ هل بات السوشي حقًا مكتسبًا، بينما يُعتبر الفول والطعمية قدرًا لا مفر منه؟ ربما آن الأوان لنعيد التفكير في مفهوم العدالة التعليمية قبل أن نبكي جميعًا… ولكن ليس على السوشي، بل على مستقبل الوطن بأكمله.

One thought on “دموع الكافيار وحسرات الفول: حينما يصبح السوشي حقًا مكتسبًا

Leave a Reply to Sata Cancel reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *