ما وراء الكلمات

لماذا يظل المترجم البشري ضرورة في عصر الذكاء الاصطناعي

بقلم الدكتور / محمود كامل

أستاذ الترجمة بأكاديمية الفنون

كل بضعة أشهر يطرح علي أحدهم السؤال ذاته …

هل سيقضي الذكاء الاصطناعي على مهنة الترجمة؟

وفي كل مرة تقريبا أبتسم قبل أن أجيب.

ليست ابتسامة استغراب من السؤال وإنما ابتسامة من اعتاد سماعه على مدى أكثر من أربعة عقود قضيتها بين الترجمة التحريرية والترجمة الفورية. فمنذ بداياتي في هذه المهنة شهدت تحولات تكنولوجية متلاحقة بدأت بظهور ذاكرات الترجمة ثم برامج الترجمة بمساعدة الحاسوب ثم الترجمة الآلية وأخيرا الذكاء الاصطناعي. وفي كل مرحلة كان هناك من يجزم بأن أيام المترجم البشري أصبحت معدودة وأن الآلة ستتولى المهمة كاملة.

ومع ذلك ما زال المترجمون يمارسون دورهم ولم تفقد المهنة قيمتها.

لا خلاف على أن الذكاء الاصطناعي يمثل أعظم طفرة تكنولوجية عرفتها الترجمة حتى الآن. فهو قادر على معالجة آلاف الكلمات في ثوان معدودة وتزداد قدراته يوما بعد يوم. وأنا شخصيا أستخدم هذه الوسائل المستحدثة بصورة مستمرة وأرى فيها أداة بالغة الفائدة. فهي تختصر الوقت وتساعد في البحث عن المصطلحات وتيسر كثيرا من الأعمال الروتينية.

غير أن الترجمة لم تكن في يوم من الأيام سباقا في السرعة. ولو كانت كذلك لما احتاج العالم إلى المترجمين منذ ظهور القواميس.

فالترجمة في حقيقتها ليست نقلا للكلمات وإنما نقلا للمعاني.

وراء كل جملة ثقافة كاملة وتاريخ طويل ومشاعر إنسانية ومقاصد خفية وإشارات لا يدركها إلا أبناء اللغة. وقد تحمل العبارة الواحدة ما لا تقوله الكلمات صراحة بل ما توحي به البيئة والثقافة والسياق.

وهنا يكمن الفارق الحقيقي بين الإنسان والآلة.

فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يتعرف على الكلمات وأنماط الجمل ويستخلص العلاقات بينها لكنه لا يعيش التجربة الإنسانية التي أنتجت هذه الكلمات ولا يدرك الخلفيات الثقافية والنفسية التي تمنحها معناها الكامل. أما المترجم البشري فإنه لا يقرأ الكلمات وحدها بل يقرأ ما وراءها.

والتاريخ خير شاهد على ذلك. فقد كانت الترجمة دائما قوة محركة للحضارة الإنسانية. فمن خلالها انتقلت الفلسفة اليونانية إلى العالم العربي. ولم يكتف العلماء العرب بترجمة هذا التراث بل شرحوه وأضافوا إليه وطوروه ثم عاد إلى أوروبا ليسهم في نهضتها الحديثة. وهكذا لم تكن الترجمة مجرد نشاط لغوي بل كانت أداة لتداول المعارف وبناء الحضارات وانتقال الأفكار عبر الأزمنة والحدود.

ولا يزال هذا الدور قائما حتى اليوم …

فإذا انتقلنا إلى الأدب وجدنا أن الرواية ليست مجرد مفردات والجمل ليست وحدات لغوية جامدة وإنما عالم متكامل من الشخصيات والانفعالات والإيقاع والأسلوب. وكذلك المسرح فالحوار المسرحي لا يعتمد على الكلمات وحدها بل على النبرة والإيقاع والصمت والسياق الثقافي وكل كلمة فيه تؤدي وظيفة درامية محددة. ولهذا قد تكون الترجمة الحرفية سليمة من الناحية اللغوية لكنها تعجز تماما عن نقل الأثر الفني الذي أراده الكاتب.

وينطبق الأمر نفسه على الترجمة الفورية بل ربما بصورة أشد تعقيدا. فالمترجم الفوري لا يملك فرصة التوقف أو مراجعة ما قاله إذ يستمع ويفهم ويحلل ويتذكر ويتحدث في وقت واحد تقريبا. وهو لا ينقل الألفاظ فحسب بل ينقل أيضا نبرة الصوت والثقة والتردد والانفعال. ولهذا تعد الترجمة الفورية من أكثر المهن اللغوية صعوبة لأنها تتطلب سرعة ذهنية فائقة وخبرة واسعة وقدرة عالية على اتخاذ القرار في جزء من الثانية.

وهنا يبرز السؤال الطبيعي …

هل يساعد الذكاء الاصطناعي المترجمين؟

بالتأكيد نعم

وهل يستطيع أن يستغني عنهم تماما.

في تقديري لا

فالذكاء الاصطناعي شريك قوي للمترجم وليس بديلا عنه. فهو يسرع الوصول إلى المعلومات وينظم المصطلحات ويحسن الاتساق ويختصر الوقت اللازم لإنجاز الأعمال المتكررة مما يتيح للمترجم أن يكرس جهده للقضايا التي لا تزال تحتاج إلى العقل البشري والحس الثقافي والخبرة المهنية.

ولهذا لا أرى المستقبل ساحة صراع بين الإنسان والآلة بل أراه مساحة تعاون وتكامل. فالمترجم الناجح في السنوات المقبلة هو الذي يعرف كيف يستفيد من أدوات الذكاء الاصطناعي دون أن يتخلى عن مسئوليته المهنية أو يترك للآلة الكلمة الأخيرة. فكل نص يحتاج دائما إلى مراجعة دقيقة وإلى عقل إنساني قادر على التمييز بين الصحيح والأفضل وبين المقبول والأكثر ملاءمة.

ومن هنا فإن الجامعات مطالبة بإعادة النظر في برامج إعداد المترجمين. فلم يعد كافيا أن يتقن الطالب لغتين أو أكثر بل ينبغي أن يتعلم استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي وتقييم مخرجات الترجمة الآلية وتحليل الإشكالات الثقافية وتنمية التفكير النقدي لأن نجاح مترجم المستقبل لن يعتمد على سرعته في العمل وإنما على عمق فهمه للغة والثقافة والإنسان.

وفي مصر تكتسب الترجمة أهمية مضاعفة فهي الوسيلة التي تقدم الأدب المصري والفنون والبحث العلمي والإبداع الثقافي إلى العالم كما تفتح أمام القارئ المصري أبواب المعرفة الإنسانية في مجالات العلوم والطب والاقتصاد والتكنولوجيا وغيرها. ولذلك فإن الترجمة ليست مجرد مهنة تمارس لكسب الرزق بل رسالة حضارية وجسر دائم للحوار بين الثقافات.

ولهذا عندما يسألني أحد مرة أخرى إن كان الذكاء الاصطناعي سيحل محل المترجمين فسأبتسم كما اعتدت دائما.

ليس لأنني أقلل من شأن التكنولوجيا بل لأنني أؤمن بأنها ستزداد تطورا وستصبح جزءا أساسيا من حياتنا المهنية.

لكنني تعلمت خلال سنوات عملي الطويلة حقيقة واحدة لم تتغير …

قد تستطيع التكنولوجيا أن تترجم الكلمات …

أما المعنى فلا يزال يحتاج إلى البشر.

لماذا يظل المترجم البشري ضرورة في عصر الذكاء الاصطناعي بقلم الدكتور / محمود كامل أستاذ الترجمة بأكاديمية الفنون كل بضعة أشهر يطرح علي أحدهم السؤال ذاته … هل سيقضي الذكاء الاصطناعي على مهنة الترجمة؟ وفي كل مرة تقريبا أبتسم قبل أن أجيب. ليست ابتسامة استغراب من السؤال وإنما ابتسامة من اعتاد سماعه على مدى أكثر…

قد تستطيع التكنولوجيا أن تترجم الكلمات …
أما المعنى فلا يزال يحتاج إلى البشر.