ما وراء قاعات الدراسة …  كيف نعد مترجمي المستقبل في عصر الذكاء الاصطناعي؟

تتحمل الجامعات مسئولية مهمة في إعداد الجيل القادم من المترجمين. كما يتحمل الطلاب مسئولية متساوية في إعداد أنفسهم. وعندما يقوم الطرفان بدورهما فإن مستقبل الترجمة لا يبدو مجرد مستقبل آمن بل يبدو أيضا مليئا بالفرص والإمكانات الجديدة.

بقلم …  د. محمود كامل

في مقالي السابق ناقشت سؤالا يطرحه كثيرون اليوم …  هل سيحل الذكاء الاصطناعي محل المترجمين البشر؟ وكانت إجابتي …  لا أعتقد ذلك.

فالترجمة أكبر بكثير من مجرد نقل الكلمات من لغة إلى أخرى. إنها تتعلق بفهم الأفكار والثقافات والمقاصد وفهم الأشخاص الذين يقفون وراء النص.

لكن هناك سؤالا آخر لا يقل أهمية …  إذا كان المترجمون سيواصلون العمل في المستقبل فما المهارات التي يحتاجون إليها؟

إن مهنة الترجمة تتغير بسرعة وما كان ضروريا منذ سنوات قليلة قد لا يكون كافيا اليوم. كما أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءا من معظم أعمال الترجمة تقريبا.

لقد دخلت الترجمة بعد أكثر من أربعين عاما من العمل فيها مرحلة جديدة. صحيح أن أساسيات المهنة لم تتغير لكن طبيعة العمل نفسها تغيرت بالتأكيد. واليوم لم يعد من الكافي أن يعرف المترجم لغتين معرفة جيدة. فمترجم المستقبل يحتاج إلى مجموعة أوسع بكثير من المهارات إذا كان يريد أن يظل قادرا على المنافسة.

ولسنوات طويلة ركزت برامج دراسة الترجمة على اللغات والقواعد والكتابة والقراءة والمفردات. ولا تزال هذه المواد هي الأساس الذي تقوم عليه المهنة. فلا يمكن لأي برنامج أو أداة حاسوبية أن يعوض عن ضعف اللغة كما لا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفهم النص فهما كاملا إذا كان المترجم نفسه لا يفهمه.

لكن سوق الترجمة اليوم يتطلب أكثر من ذلك.

فأصحاب العمل يبحثون عن مترجمين يستطيعون استخدام التكنولوجيا بكفاءة وحل المشكلات وإجراء البحوث والتعامل مع النصوص المتخصصة. لقد أصبحت الترجمة مهنة تمتلك التكنولوجيا مكانا أساسيا فيها.

ولهذا السبب تحتاج الجامعات إلى إعادة النظر في الطريقة التي تعِد بها مترجمي المستقبل.

يجب ألا تعامل التكنولوجيا باعتبارها مادة اختيارية بل ينبغي أن تصبح جزءا أساسيا من الإعداد المهني للطالب. ويجب أن يتخرج كل طالب ترجمة بعد أن اكتسب خبرة عملية في استخدام أدوات الترجمة بمساعدة الكمبيوتر وذاكرات الترجمة وأدوات إدارة المصطلحات وبرامج ضمان الجودة. كما ينبغي أن يتعرف الطلاب إلى الذكاء الاصطناعي وأن يتعلموا كيفية استخدامه بطريقة واعية ومسئولة.

لكن الذكاء الاصطناعي يجب أن ينظر إليه باعتباره مساعدا وليس بديلا عن المترجم.

ويحتاج الطلاب إلى معرفة متى يمكن للترجمة الآلية أن توفر الوقت ومتى تحتاج إلى مراجعة دقيقة ومتى لا ينبغي استخدامها على الإطلاق. كما يجب أن يتعلموا كيفية تقييم مخرجات الذكاء الاصطناعي واكتشاف نقاط ضعفه وتحسين النص النهائي. فهذه المهارات أصبحت بالفعل جزءا من عمل المترجم المحترف.

وهناك جانب آخر يستحق مزيدا من الاهتمام وهو المراجعة والتحرير بعد الترجمة.

فكثير من الشركات تطلب الآن من المترجمين مراجعة الترجمة الآلية وتحسينها أو تنقيحها. وقد يبدو هذا العمل في ظاهره سهلا لكنه في الحقيقة يحتاج إلى قراءة دقيقة وحكم سليم وفهم جيد للغتين. فالمترجم يجب أن يكون قادرا على اكتشاف الأخطاء التي قد لا يلاحظها الذكاء الاصطناعي بما في ذلك الأخطاء المرتبطة بالسياق والمراجع الثقافية.

ولهذا السبب يجب أن تصبح المراجعة والتحرير جزءا أساسيا من برامج تدريب طلاب الترجمة في الجامعات.

كما أن التخصص يمثل عاملا مهما آخر.

فمنذ سنوات كان كثير من المترجمين يعملون في مجالات عامة بنجاح. أما اليوم فأصبح العملاء يبحثون في الغالب عن مترجمين متخصصين. فالمؤسسات الطبية تحتاج إلى مترجمين يفهمون المصطلحات الطبية والشركات القانونية تحتاج إلى مترجمين على دراية باللغة القانونية كما تتوقع المؤسسات المالية وشركات التكنولوجيا من المترجمين أن يفهموا المجالات التي يعملون فيها.

ولا يحتاج الطلاب إلى اختيار تخصصهم منذ السنة الأولى لكن عليهم أن يبدأوا في استكشاف المجالات المختلفة قبل التخرج. فهذا سيجعل انتقالهم إلى سوق العمل أكثر سهولة.

وتظل مهارات البحث مهمة بالقدر نفسه.

فكل مترجم محترف يعرف أن جزءا كبيرا من عمله يتمثل في البحث عن المعلومات والعثور على المصطلح المناسب والتحقق من المصادر الموثوقة وفهم الموضوع الذي يتناوله النص. وتظهر الفروق بين الترجمة الجيدة والترجمة الممتازة في كثير من الأحيان في جودة البحث الذي يقف وراءها.

كما أن مهارات التواصل أصبحت أكثر أهمية.

فالمترجمون يقضون جزءا كبيرا من يومهم في العمل أمام الكمبيوتر لكنهم يتواصلون أيضا بصورة منتظمة مع العملاء ومديري المشروعات والمحررين والمراجعين وغيرهم. وقد يضطر المترجم إلى مناقشة خيارات الترجمة وشرح قراراته والتفاوض بشأن المواعيد النهائية. ولذلك فإن القدرة على التواصل الجيد لا تقل أهمية عن القدرة على الترجمة الجيدة.

وفي الوقت نفسه يؤدي الطلاب دورا مهما. فهم يحتاجون إلى الاستعداد للمستقبل.

لا تستطيع أي جامعة أن تعلم الطالب كل شيء. فالحصول على الدرجة الجامعية ليس نهاية التعلم المهني بل هو بداية رحلة طويلة من التطور والتغيير.

وتظهر توقعات جديدة كل يوم وتتطور التكنولوجيا بسرعة مذهلة والذكاء الاصطناعي نفسه يتغير من عام إلى آخر. وإذا لم يواصل المترجمون التعلم فسوف يجدون أنفسهم متأخرين عن الركب.

ومن العادات المفيدة التي يمكن للطلاب اكتسابها أن يجعلوا القراءة عادة يومية. فقراءة الصحف والكتب والمقالات الأكاديمية والتقارير الاقتصادية والأعمال المهنية باللغتين تساعد على توسيع المفردات وتحسين الكتابة وزيادة المعرفة الثقافية. وهذه خبرات لا يستطيع أي برنامج حاسوبي أن يوفرها.

وينبغي للطلاب أيضا أن يبدأوا في بناء ملف مهني أثناء وجودهم في الجامعة. ويمكن أن يضم هذا الملف نماذج من ترجماتهم ومشاركاتهم في مسابقات الترجمة والمشروعات الشخصية وأي خبرات عملية يحصلون عليها. فأصحاب العمل غالبا ما يهتمون بالخبرة العملية الحقيقية بقدر اهتمامهم بالمؤهلات الأكاديمية.

كما أصبحت الشبكات المهنية جزءا مهما من النجاح. فبناء ملف مهني على موقع «لينكدإن» والانضمام إلى جمعيات الترجمة وحضور المؤتمرات والمشاركة في المناقشات الإلكترونية كلها أمور يمكن أن تفتح أبوابا قد لا يتوقعها الطلاب.

وربما يكون الأمر الأكثر أهمية هو جودة اللغة التي يكتب بها المترجم.

فالذكاء الاصطناعي سيواصل التحسن وستواصل تكنولوجيا الترجمة تطورها. لكن الصفات التي تجعل المترجم ممتازا ستظل مهمة …  سلامة الحكم والوعي الثقافي والإبداع والمسئولية المهنية والتفكير النقدي والتعامل الإنساني. وهذه هي الصفات التي ستظل تميز المترجمين الممتازين.

وكثيرا ما أقول لطلابي إن الحصول على شهادة جامعية ليس نهاية الطريق. إنها ببساطة الخطوة الأولى في رحلة مهنية طويلة.

ومستقبل الترجمة لا ينتمي إلى الذكاء الاصطناعي وحده ولا إلى من يعتمدون عليه اعتمادا كاملا.

بل ينتمي إلى المترجمين الذين يعرفون كيف يجمعون بين اللغة القوية والتكنولوجيا الحديثة والأخلاقيات المهنية والالتزام بالتعلم المستمر.

صحيح أن الذكاء الاصطناعي يغير مهنتنا لكنه في الوقت نفسه يخلق فرصا جديدة.

وتتحمل الجامعات مسئولية مهمة في إعداد الجيل القادم من المترجمين.

كما يتحمل الطلاب مسئولية متساوية في إعداد أنفسهم.

وعندما يقوم الطرفان بدورهما فإن مستقبل الترجمة لا يبدو مجرد مستقبل آمن بل يبدو أيضا مليئا بالفرص والإمكانات الجديدة.